محمد بن جرير الطبري

147

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

" بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب - آيةٌ ، فيكونَ علينا لسائلٍ مسألةٌ بأن يقول : ما وجه تكرير ذلك في هذا الموضع ، وقد مضى وصفُ الله عزّ وجلّ به نفسه في قوله " بسم الله الرحمن الرحيم " ، مع قرب مكان إحدى الآيتين من الأخرى ، ومجاورتها صَاحِبتها ؟ بل ذلك لنا حُجة على خطأ دعوى من ادَّعى أن " بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب آية . إذ لو كان ذلك كذلك ، لكان ذلك إعادةَ آية بمعنى واحد ولفظ واحدٍ مرتين من غير فَصْل يَفصِل بينهما . وغيرُ موجودٍ في شيء من كتاب الله آيتان مُتجاورتان مكرّرتان بلفظ واحد ومعنى واحد ، لا فصلَ بينهما من كلام يُخالف معناه معناهما . وإنما يُؤتى بتكرير آية بكمالها في السورة الواحدة ، مع فُصولٍ تفصِل بين ذلك ، وكلامٍ يُعترضُ به معنى الآيات المكررات أو غير ألفاظها ، ولا فاصِلَ بين قول الله تبارك وتعالى اسمه " الرحمن الرحيم " من " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وقولِ الله : " الرحمن الرحيم " ، من " الحمدُ لله ربّ العالمين " . فإن قال : فإن " الحمدُ لِله رَبِّ العالَمين " فاصل من ذلك . ( 1 ) قيل : قد أنكر ذلك جماعة من أهل التأويل ، وقالوا : إن ذلك من المؤخَّر الذي معناه التقديم ، وإنما هو : الحمد لله الرحمن الرحيم رَبّ العالمين مَلِك يوم الدين . واستشهدوا على صحة ما ادعوا من ذلك بقوله : " مَلِك يوم الدين " ، فقالوا : إن قوله " ملِكِ يوم الدين " تعليم من الله عبدَه أنْ يصفَه بالمُلْك في قراءة من قرأ ملِك ، وبالمِلْك في قراءة من قرأ " مالك " . قالوا : فالذي هو أولى أن يكونَ مجاورَ وصفه بالمُلْك أو المِلْك ، ما كان نظيرَ ذلك من الوصف ؛ وذلك هو قوله : " ربّ العالمين " ، الذي هو خبر عن مِلْكه جميع أجناس الخلق ؛ وأن يكون مجاورَ وصفه بالعظمة والألُوهة ما كان له نظيرًا في المعنى من الثناء عليه ، وذلك قوله : ( الرحمن الرحيم ) . فزعموا أنّ ذلك لهم دليلٌ على أن قوله " الرحمن الرحيم " بمعنى التقديم قبل " رب العالمين " ، وإن كان في الظاهر مؤخرًا . وقالوا : نظائرُ ذلك - من التقديم الذي هو بمعنى التأخير ، والمؤخَّر الذي هو بمعنى التقديم - في كلام العرب أفشى ، وفي منطقها أكثر ، من أن يُحصى . من ذلك قول جرير بن عطية :

--> ( 1 ) في المطبوعة : " فاصل بين ذلك " ، والذي في المخطوطة عربية جيدة .